تُشكل الأسرة الحجر الأساس في بناء المجتمع العُماني، وضمان تماسكها هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الوطن وازدهاره . إلا أن الآونة الأخيرة شهدت تنامياً ملحوظاً في مؤشرات الانفصال، مما جعل حالات الطلاق في سلطنة عمان موضوعاً يتصدر نقاشات الأوساط القانونية والاجتماعية.
لم يعد الأمر مجرد أرقام عابرة، بل بات تحدياً مجتمعياً يستدعي صياغة استراتيجيات وقائية حاسمة، بالاعتماد على رؤى خبراء القانون والشريعة والاجتماع، للانتقال من مرحلة رصد المشكلة إلى مرحلة صناعة الحلول الجذرية قخلحج بحسب ما تم تداوله على وسائل الإعلام .
يوضح الباحث في القانون الخاص، المحامي يوسف بن أحمد البلوشي، أن معالجة هذا ملف تتطلب نظرة علمية متزنة بعيدة عن المبالغة أو التهويل. ووفقاً للمؤشرات الرسمية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لعام 2024، فقد سُجلت المؤشرات التالية:
تؤكد هذه البيانات أن الإقبال على تكوين الأسر لا يزال مرتفعاً وإيجابياً، إلا أن كفة الانفصال تشير إلى خلل يستوجب التدخل. ويرى البلوشي أن الطلاق ليس أزمة قانونية بحتة، بل هو معضلة تتشابك فيها الأبعاد النفسية، والاقتصادية، والثقافية، مما يفرض بناء منظومة تكاملية تشترك فيها المؤسسات التعليمية، والدينية، والإعلامية، والجهات القضائية لحماية استقرار الأسرة العمانية.
الوصول إلى قرار إنهاء العلاقة الزوجية لا يحدث فجأة، بل هو نتاج تراكمات وتحديات معاصرة. ومن خلال آراء المختصين، يمكن تلخيص أبرز الدوافع فيما يلي:
يشير المحامي عبد الرحمن الهنائي إلى أن الفضاء الرقمي بات من أكبر مهددات البيوت؛ حيث تُسهم المقارنات الزائفة بحياة الآخرين في خلق سقف توقعات غير واقعي. كما يوضح أن "التخبيب" وإفشاء أسرار الحياة الزوجية عبر الإنترنت يذكيان نيران الخلافات ويسرّعان من وتيرة التفكك.
يرى المحامي ناصر بن حميد الخياري أن ضعف التثقيف الأسري قبل الزواج، والسرعة في اختيار شريك الحياة بناءً على معايير سطحيّة أو زيجات تنشأ خلف الشاشات، يصدم الطرفين بالواقع بعد الزواج. يضاف إلى ذلك التدخلات العائلية السلبية التي تفسد وُدّ الشريكين بدلاً من الإصلاح.
تلقي التغيرات المالية بظلالها على الاستقرار الأسري، خاصة في حالات تسريح الزوج من العمل أو عدم القدرة على تلبية المتطلبات المعيشية المتزايدة، مما يولد ضغطاً نفسياً يؤدي في النهاية إلى الشقاق.
من زاوية تحليلية مختلفة، يؤكد المحامي موسى بن علي العامري أن الأسباب الحقيقية والمحركة للطلاق غالباً ما تظل طي الكتمان؛ فما يُذكر أمام المحاكم أو لجان البحث الاجتماعي قد يكون مجرد قشور، بينما الأسرار الفعلية للاعتراض وعدم الرغبة في الاستمرار لا يعلمها إلا الزوجان فقط.
"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً"
يلفت المحامي يحيى الغافري الانتباه إلى أن الطلاق في أصله الشرعي ليس جريمة، بل هو نافذة علاجية و"آخر الحلول" عندما تصبح الحياة الزوجية جحيماً لا يُطاق وتستحيل معها المودة والرحمة. وفي هذا السياق، يتفق معه المحامي موسى العامري بأن الانفصال قد يكون أحياناً رفعاً لظلم أو كفّاً لمعاناة كان يتحملها أحد الأطراف سابقاً خشية نظرة المجتمع، والطلاق بالتراضي وبإحسان يظل أفضل بكثير من استمرار علاقة سامة تؤذي الجميع بما فيهم الأبناء.
لتقليل معدلات الانفصال وتجنب الحالات التي يمكن تداركها، يقدم الخبراء حزمة من الحلول العملية والتشريعية التي تتناغم مع مستهدفات رؤية عمان 2040:
إن حماية الأسرة العمانية من التفكك ليست مجرد خفض للأحكام القضائية، بل هي استثمار استراتيجي لبناء مجتمع متماسك وقادر على تحقيق التنمية المستدامة التي تنشدها السلطنة.
إنضم لقناتنا على تيليجرام