تعيش سلطنة عمان مرحلة مفصلية في تعزيز النزاهة وحماية المكتسبات الوطنية؛ حيث قطعت البلاد شوطًا كبيرًا في تطوير بيئتها التشريعية والمؤسسية لمجابهة التجاوزات المالية والإدارية . ولم تعد المواجهة قاصرة على القطاع الحكومي فقط، بل امتدت لتشمل تنظيم أعمال مؤسسات القطاع الخاص، مما رسخ مفهوم الحوكمة والشفافية في كافة أركان الاقتصاد العماني.
شهد التعديل التشريعي الأخير تحولاً جذريًا في كيفية التعاطي مع جريمتي الرشوة واستغلال المنصب. فبعد أن كانت المخالفات المتعلقة بشركات القطاع الخاص تُعالج ضمن مواد قانون العمل المحصورة بنصوص تقليدية، جاء التعديل الأخير عبر المرسوم السلطاني رقم 66/2026 ليدرج هذه الأفعال في صلب قانون الجزاء العماني، مما يرفع من شدة الرادع القانوني خكقبو بحسب ما تم تداوله على وسائل الإعلام .
تشمل العقوبات المشددة عدة صور قانونية:
يمتد هذا نطاق التجريم ليعم الشركات والمؤسسات الخاصة، والهيئات الدولية التي تتخذ من السلطنة مقرًا لها، إضافة إلى ممثلي الحكومة في المؤسسات والشركات التي تساهم الدولة في رأس مالها بنسبة تتجاوز 40%.
تولى الادعاء العام العماني ملف متابعة التعديات المالية بصرامة من خلال استحداث التحقيق المالي المتخصص في جرائم غسل الأموال وحماية الممتلكات العامة. وقد أسفرت هذه الجهود عن استعادة مبالغ مالية ضخمة لرفد الخزانة العامة، تتلخص أبرز مؤشراتها الرقمية في الآتي:
| العام | عدد قضايا المال العام | المبالغ المستردة (ريال عماني) | أبرز طبيعة القضايا المتعامل معها |
|---|---|---|---|
| 2021 | 107 | 20 مليون | استغلال النفوذ الوظيفي، تحصيل منافع شخصية، والإخلال بالواجبات |
| 2022 | 43 | 12.4 مليون | قضايا غسل الأموال، والتجاوزات المالية المتعلقة بالحق العام |
| 2024 | 25 | - | اختلاس الأموال، قبول الرشوة، التزوير في المحررات الرسمية والمعلوماتية |
تمر مسيرة الرقابة في عمان بمحطات تاريخية شكلت المنظومة الحالية:
تتولى المديرية العامة للنزاهة ومكافحة الفساد التابعة للجهاز الإشراف الكامل على متابعة المعايير الدولية، وتلقي البلاغات والشكاوى المجتمعية، بالإضافة إلى مراجعة كشوف الذمة المالية للسياسيين والموظفين والتخطيط للاستراتيجيات الوطنية.
تعتمد استراتيجية السلطنة في حماية الاقتصاد والوظيفة العامة على خطة شاملة تتضمن خمس دعائم أساسية: بيئة تشريعية متكاملة، تعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية، رفع كفاءة العمل المؤسسي، الشراكة المحلية والدولية، وتكريس النزاهة في القطاع الخاص.
وقد انعكست هذه الأطر التنظيمية على موقع سلطنة عمان في التصنيفات الدولية؛ حيث حققت قفزة ملموسة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 بتواجدها في المركز 50 عالميًا من بين 180 دولة برصيد 55 نقطة، بعد أن كانت في المرتبة 70 برصيد 43 نقطة في 2023. وفي تقييم عام 2025 حافظت السلطنة على مستوى أداء متقدم بنيلها 52 نقطة من أصل 100.
لا تقف أضرار الكسب غير المشروع عند حد الخسائر المالية للميزانية العامة، بل تتعدى ذلك لتضرب المبادئ المستقرة في المجتمع. تؤدي الرشوة إلى هدم العدالة وتكافؤ الفرص، وتفتح الباب لانتشار الجشع وتجاوز الأطر القانونية.
تظهر الآثار السلبية بوضوح عندما ترتبط الرشاوى باستخراج تراخيص مشاريع غير مطابقة للمواصفات، أو بالقطاعات الحيوية كالدواء والغذاء والسلامة الإنشائية، مما يهدد الأمن الصحي والبنيوي للمجتمع. وتؤكد التجربة العمانية أن كبح جماح هذه التجاوزات يقتضي تكامل الأدوار بين النص التشريعي، والرقابة الصارمة، والتوعية المجتمعية لحماية مقدرات الوطن.
إنضم لقناتنا على تيليجرام