السجن والغرامة تطال الجميع.. كيف حصّنت سلطنة عُمان قطاعيها العام والخاص ضد جرائم الرشوة والفساد

تعيش سلطنة عمان مرحلة مفصلية في تعزيز النزاهة وحماية المكتسبات الوطنية؛ حيث قطعت البلاد شوطًا كبيرًا في تطوير بيئتها التشريعية والمؤسسية لمجابهة التجاوزات المالية والإدارية . ولم تعد المواجهة قاصرة على القطاع الحكومي فقط، بل امتدت لتشمل تنظيم أعمال مؤسسات القطاع الخاص، مما رسخ مفهوم الحوكمة والشفافية في كافة أركان الاقتصاد العماني.

تشديد عقوبات جرائم الرشوة في القانون العماني

شهد التعديل التشريعي الأخير تحولاً جذريًا في كيفية التعاطي مع جريمتي الرشوة واستغلال المنصب. فبعد أن كانت المخالفات المتعلقة بشركات القطاع الخاص تُعالج ضمن مواد قانون العمل المحصورة بنصوص تقليدية، جاء التعديل الأخير عبر المرسوم السلطاني رقم 66/2026 ليدرج هذه الأفعال في صلب قانون الجزاء العماني، مما يرفع من شدة الرادع القانوني بحسب ما تم تداوله على وسائل الإعلام .

تشمل العقوبات المشددة عدة صور قانونية:

  • العقوبة الأساسية: يُحكم بالسجن مدة تتراوح بين سنة إلى ثلاث سنوات، مع دفع غرامة مالية لا تقل عن قيمة العطية أو الوعد الممنوح، لكل موظف أو عضو مجلس إدارة في القطاع الخاص يطلب أو يقبل مزية لإنجاز عمل من اختصاصه أو الامتناع عنه.
  • الأفعال المنافية للواجبات: تغلط العقوبة لتصل إلى السجن بين ثلاث وخمس سنوات إذا كان المقابل بغرض ارتكاب فعل يخالف واجبات الوظيفة ومسؤولياتها.
  • عرض الرشوة: يعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى سنة كل من شرع في تقديم عطية أو مزية ولم يُقبل منه ذلك.
  • الراشي والوسيط: أقر القانون سريان نفس عقوبة المرتشي على الراشي والوسيط، مع إتاحة خيار الإعفاء القانوني في حال بادر أحدهما بإبلاغ الجهات الأمنية والقضائية أو اعترف بالجريمة قبل اكتشافها.

يمتد هذا نطاق التجريم ليعم الشركات والمؤسسات الخاصة، والهيئات الدولية التي تتخذ من السلطنة مقرًا لها، إضافة إلى ممثلي الحكومة في المؤسسات والشركات التي تساهم الدولة في رأس مالها بنسبة تتجاوز 40%.

استرداد الأموال وقضايا حماية المال العام

تولى الادعاء العام العماني ملف متابعة التعديات المالية بصرامة من خلال استحداث التحقيق المالي المتخصص في جرائم غسل الأموال وحماية الممتلكات العامة. وقد أسفرت هذه الجهود عن استعادة مبالغ مالية ضخمة لرفد الخزانة العامة، تتلخص أبرز مؤشراتها الرقمية في الآتي:

العام عدد قضايا المال العام المبالغ المستردة (ريال عماني) أبرز طبيعة القضايا المتعامل معها
2021 107 20 مليون استغلال النفوذ الوظيفي، تحصيل منافع شخصية، والإخلال بالواجبات
2022 43 12.4 مليون قضايا غسل الأموال، والتجاوزات المالية المتعلقة بالحق العام
2024 25 - اختلاس الأموال، قبول الرشوة، التزوير في المحررات الرسمية والمعلوماتية

التحول التاريخي: من التدقيق المالي إلى هيئة مكافحة الفساد

تمر مسيرة الرقابة في عمان بمحطات تاريخية شكلت المنظومة الحالية:

  • عام 1970: النواة الأولى عبر قسم تدقيق الحسابات بالمديرية العامة للمالية للاقتصار على فحص أذونات الصرف.
  • عام 1985: صدور القانون الأول لتنظيم مراجعة الحسابات الحكومية بالمرسوم السلطاني رقم 36/85.
  • عام 1999: إعادة هيكلة جهاز الرقابة المالية للدولة بالمرسوم السلطاني رقم 95/99 ليصبح هيئة مستقلة ماليًا وإداريًا.
  • عام 2011: توسيع الصلاحيات لتشمل الرقابة الإدارية، وتغيير المسمى إلى "جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة".
  • عام 2013: الانضمام لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بالمرسوم السلطاني رقم 64/2013، وتكليف الجهاز بمهام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

تتولى المديرية العامة للنزاهة ومكافحة الفساد التابعة للجهاز الإشراف الكامل على متابعة المعايير الدولية، وتلقي البلاغات والشكاوى المجتمعية، بالإضافة إلى مراجعة كشوف الذمة المالية للسياسيين والموظفين والتخطيط للاستراتيجيات الوطنية.

الخطة الوطنية ومؤشرات مدركات الفساد

تعتمد استراتيجية السلطنة في حماية الاقتصاد والوظيفة العامة على خطة شاملة تتضمن خمس دعائم أساسية: بيئة تشريعية متكاملة، تعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية، رفع كفاءة العمل المؤسسي، الشراكة المحلية والدولية، وتكريس النزاهة في القطاع الخاص.

وقد انعكست هذه الأطر التنظيمية على موقع سلطنة عمان في التصنيفات الدولية؛ حيث حققت قفزة ملموسة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 بتواجدها في المركز 50 عالميًا من بين 180 دولة برصيد 55 نقطة، بعد أن كانت في المرتبة 70 برصيد 43 نقطة في 2023. وفي تقييم عام 2025 حافظت السلطنة على مستوى أداء متقدم بنيلها 52 نقطة من أصل 100.

المخاطر المجتمعية لجرائم الفساد والرشوة

لا تقف أضرار الكسب غير المشروع عند حد الخسائر المالية للميزانية العامة، بل تتعدى ذلك لتضرب المبادئ المستقرة في المجتمع. تؤدي الرشوة إلى هدم العدالة وتكافؤ الفرص، وتفتح الباب لانتشار الجشع وتجاوز الأطر القانونية.

تظهر الآثار السلبية بوضوح عندما ترتبط الرشاوى باستخراج تراخيص مشاريع غير مطابقة للمواصفات، أو بالقطاعات الحيوية كالدواء والغذاء والسلامة الإنشائية، مما يهدد الأمن الصحي والبنيوي للمجتمع. وتؤكد التجربة العمانية أن كبح جماح هذه التجاوزات يقتضي تكامل الأدوار بين النص التشريعي، والرقابة الصارمة، والتوعية المجتمعية لحماية مقدرات الوطن.

إنضم لقناتنا على تيليجرام